ابن رشد
231
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
الغرماء قال جابر : فأتيت النبي ( ص ) فكلمته ، فسألهم أن يقبلوا مني حائطي ، ويحللوا أبي ، فأبوا ، فلم يعطهم رسول الله ( ص ) حائطي ، قال : ولكن سأغدو عليك ، قال : فغدا علينا حين أصبح فطاف بالنخل فدعا في ثمرها بالبركة قال : فجذذتها فقضيت منها حقوقهم ، وبقي من ثمرها بقية وربما روي أيضا أنه مات أسيد بن الحضير وعليه عشرة آلاف درهم ، فدعا عمر بن الخطاب غرماءه ، فقبلهم أرضه وأربع سنين مما لهم عليه . قالوا : فهذه الآثار كلها ليس فيها أنه بيع أصل في دين . قالوا : ويدل على حبسه قوله ( ص ) : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته قالوا : والعقوبة هي حبسه . وربما شبهوا استحقاق أصول العقار عليه باستحقاق إجازته ، وإذا قلنا إن المفلس محجور عليه ، فالنظر في ماذا يحجر عليه ؟ وبأي ديون تكون المحاصة في ماله ؟ وفي أي شئ من ماله تكون المحاصة ؟ وكيف تكون ؟ . فأما المفلس فله حالان : حال في وقت الفلس قبل الحجر عليه ، وحال بعد الحجر . فأما قبل الحجر فلا يجوز له إتلاف شئ من ماله عند مالك بغير عوض إذا كان مما لا يلزمه ومما لا تجري العادة بفعله ، وإنما اشترط إذا كان مما لا يلزمه ، لان له أن يفعل ما يلزم بالشرع وإن لم يكن بعوض كنفقته على الآباء المعسرين أو الأبناء ، وإنما قيل مما لم تجر العادة بفعله ، لان له إتلاف اليسير من ماله بغير عوض كالأضحية والنفقة في العيد والصدقة اليسيرة ، وكذلك تراعى العادة في إنفاقه في عوض كالتزوج والنفقة على الزوجة ويجوز بيعه وابتياعه ما لم تكن فيه محاباة ، وكذلك يجوز إقراره بالدين لمن لا يتهم عليه . واختلف قول مالك في قضاء بعض غرمائه دون بعض وفي رهنه . وأما جمهور من قال بالحجر على المفلس فقالوا : هو قبل الحكم كسائر الناس ، وإنما ذهب الجمهور لهذا لان الأصل هو جواز الأفعال حتى يقع الحجر ، ومالك كأنه اعتبر المعنى نفسه ، وهو إحاطة الدين بماله لكن لم يعتبره في كل حال ، لأنه يجوز بيعه وشراؤه إذا لم يكن فيه محاباة ، ولا يجوزه للمحجور عليه . وأما حاله بعد التفليس فلا يجوز له فيها عند مالك بيع ولا شراء ولا أخذ ولاعطاء ، ولا يجوز إقراره بدين في ذمته لقريب ولا بعيد . قيل إلا إن يكون لواحد منهم بينة ، وقيل يجوز لمن يعلم منه إليه تقاض . واختلف في إقراره بمال معين مثل القراض والوديعة على ثلاثة أقوال في المذهب : بالجواز ، والمنع . والثالث : بالفرق بين أن يكون على أصل القراض أو الوديعة ببينة أو لا تكون ، فقيل إن كانت صدق وإن لم تكن لم يصدق . واختلفوا من هذا الباب في ديون المفلس المؤجلة هل تحل بالتفليس أم لا ؟ فذهب مالك إلى أن التفليس في ذلك كالموت ، وذهب غيره إلى خلاف ذلك . وجمهور العلماء على أن الديون تحل بالموت ، وقال ابن شهاب مضت السنة بأن دينه قد حل حين مات . وحجتهم أن الله تبارك وتعالى لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين ، فالورثة في ذلك بين أحد أمرين : إما أن لا يريد وأن يؤخروا حقوقهم في المواريث إلى محل أجل الدين